الدكتور طلال ناظم الزهيري*
تعد ظاهرة التدوين وإنشاء المدونات انطلاقة حقيقية في مجال النشر الرقمي على الانترنت والتي أخذت في الآونة الأخيرة تثير حولها الكثير من الجدل بين متحمس ومؤيد ومتحفظ ورافض. فرغم عمرها القصير مقارنة بخدمات الانترنت الأخرى إلا إنها تتربع اليوم على قمة الخدمات الجاذبة لمستخدمي الشبكة بعد خدمات البريد الالكتروني. وحسب موسوعة "ويكيبيديا" الالكترونية على الانترنت فان كلمة Blog هي نحت من كلمتين هما Web Log أي سجل الشبكة. وشاع استخدام الترجمة العربية (مدونة) مقابل (Blog). ويمكن وصف المدونة على إنها صفحة رقمية تسمح لصاحبها بالتعبير عن ذاته بحرية تامة من خلال سلسلة من المقالات التي يعمل على تدوينها ويتم ترتيب المقالات (المدخلات) ترتيبا زمنيا وبشكل تصاعدي مع وجود نظام لأرشفة هذه المدخلات، وعليه فان أي موضوع في المدونة يظهر على الصفحة الاولى لمدة من الزمن ثم تحل محله المواضيع الجديدة، ويمكن استرجاع المعلومات القديمة بالدخول على الأرشيف. وتختلف مميزات وخصائص المدونات تبعا للجهة المستضيفة لها لاعتبارات مثل حجم مساحة التدوين والقوالب الجاهزة وطريقة الأرشفة، والية التدوين والتصميم، فضلا عن اسم النطاق وغيرها من الخصائص التي سنأتي على ذكرها لاحقا.
وتصنف المدونات من حيث الجهة المسئولة عنها بين الشخصية والمؤسسية والبعض منها يسمح بمشاركة مجموعة من المدونين الذين يجمعهم هدف واحد او تخصص موضوعي مشترك او أي علاقة أخرى في مدونة واحدة. وتختلف المدونات عن المواقع بخاصية مجانية النشر في معظم الأحيان والتحديث السريع للمعلومات، فضلا عن سهولة وبساطة الإنشاء التي لا تحتاج الى خبرة برمجية كونها في الغالب تتكون من صفحة واحدة فقط، على خلاف المواقع. كما إنها توفر فرصة سريعة للتواصل من خلال تعليقات الزوار على المقالات والموضوعات التي تحتويها.
التدوين من منظور تاريخي
إن التدوين كمفهوم يعد ظاهرة متأصلة في حياة المجتمعات البشرية على اختلاف الثقافة و اللغة ومستوى التقدم الحضاري الذي وصلت إليه. وعلى الرغم من ان معاجم اللغة تربط مفهوم التدوين بالكتابة والتسجيل، إلا ان التدوين من وجهة النظر التي يطرحا البحث تخرج إلى حدود المشافه وتناقل الأفكار والمعلومات بصيغ غير كتابية. ولعل سوق عكاظ * يعد شاهد تاريخي على هذا الرأي، إذ كان الشعراء والخطباء يحرصون على عرض أجود نتاجهم في هذا السوق، إن منظر الربوة التي ينتصب عليها الشاعر او الخطيب في مخيلتي هي منبر التدوين الشفهي في تلك الفترة. ثم تطور الأمر في العصر الجاهلي إلى تحويل جدران الكعبة بكل ما تمثله للعرب من قدسية إلى لوحة شرف تعلق عليها قصائد فحول الشعر العربي التي تمثل مدونات تاريخية تمجد القبلية وتؤسس لسجل تاريخي لها، وإذا ما علمنا ان الآلاف من العرب يحجون إليها كل عام نعلم إي شرف وشهرة ينالها من تعلق قصيدته على جدران الكعبة. لذا لم يحظى بهذا الشرف إلا سبعة من الشعراء في بيئة خصبة بالشعر والشعراء. ولقد تطورت ظاهرت التدوين عند العرب بظهور وانتشار الإسلام في شبه الجزيرة العربية، إلا انه اخذ منحى آخر ارتبط بتدوين آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول (صلى الله عليه وسلم). وعرف المدونون في ذلك الوقت بكتاب الوحي. ومع تطور صناعة الورق في بغداد عاصمة الدولة العباسية. ظهر سوق الوراقين. وهو إلى جانب كونه مركز تجاري يعد في ذات الوقت منتدى ثقافي مهم يجتمع فيه العلماء والأدباء والفلاسفة على اختلاف مناهجهم واتجاهاتهم لعرض نظرياتهم والتسويق لمؤلفاتهم التي انتشرت بشكل كبير جدا لتعكس مستوى تقدم حضاري مهم وصلت إليه الدولة العربية الإسلامية في تلك المرحلة.
لقد كان الكتاب(المخطوط) هو المدونة الأكثر انتشارا وتداولا. ومع ظهور المدارس الفقهية في البصرة والكوفة وبغداد تشكلت الجماعات الفقهية التي ترتبط بأئمة وفقهاء العصر والتي تميزت في طابعها الجدلي. وتعد الجماعة التي أطلقت على نفسها اسم إخوان الصفا * من ابرز تلك الجماعات والتي أنتجت سلسلة من المدونات رتبت ترتيباً جامعاً لشتات العلوم متمشياً مع الأغراض التي قامت من أجلها الجماعة. ان هذه المدونات والتي عرفت برسائل أخوان الصفا قد جمعت ونشرت في أواسط القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) تقريباًَ. وهي تبلغ 52 رسالة في مختلف العلوم والموضوعات.
ومع اختراع الطباعة في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي ازدهرت حركت التدوين والتأليف بشكل كبير جدا. ولعل الصحف اليومية والأسبوعية كانت أهم الانجازات في مجال التدوين بعد تطور الطباعة بالحروف المعدنية المتحركة. إذ سمح هذا النوع من المطبوعات بتوفير مساحة مشتركة للعديد من المدونين الذين امتهنوا مهنة الصحافة ليعبروا عن توجهاتهم وآرائهم في مختلف الموضوعات لمجتمع واسع من القراء. ومع ظهور الانترنت وتنامي عدد مستخدميها، أصبح الباب مشرعا أمام الكثيرين ليدلوا بدلوهم في مجال التدوين سواء من خلال مواقعهم الشخصية او مشاركتهم في المنتديات متجاوزين العديد من العوائق اللغوية والاعتبارات السياسية والجغرافية لينطلقوا بآرائهم وأفكارهم إلى فضاء هو الفضاء الرقمي. وفي هذا الفضاء تم تخصيص صفحات محدد أطلق عليها (مدونات) لتبدأ معها ظاهرة جديدة هي ظاهرة التدوين الرقمي، وقد كان للحرب على العراق في عام 2003 الدور الرئيسي في انتشار ظاهرة التدوين والمدونات واتساع تأثيرها، فقد برزت خلال الشهور الاولى الحرب على العراق مقالات تندد بالحرب، كما استغلها بعض السياسيين الأميركي













